أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي
49
العقد الفريد
قلق لم يزل وصبر يزول * ورضا لم يطل وسخط يطول لم تسل دمعتي عليّ من الرّحمة حتى رأيت نفسي تسيل جال في جسمي السّقام فجسمي * مدنف ليس فيه روح تجول « 1 » ينقضي للقتيل حول فينسى * وأنا فيك كلّ يوم قتيل ثم سكت وغنى زنين : ليس إلى تركك من حيلة * ولا إلى الصبر لقلبي سبيل فكيفما شئت فكن سيدي * فإنّ وجدي بك وجد طويل إن كنت أزمعت على هجرنا * فحسبنا اللّه ونعم الوكيل قال أبو عكرمة : فأقبل أبو عيسى على المسدود فقال له غنّ صوتا . فغنى : يا لجّة الدمع هل للدّمع مرجوع * أم الكرى من جفون العين ممنوع « 2 » ما حيلتي وفؤادي هائم أبدا * بعقرب الصّدغ من مولاي ملسوع لا والذي تلفت نفسي بفرقته * فالقلب من حرّق الهجران مصدوع ما أرّق العين إلا حبّ مبتدع * ثوب الجمال على خدّيه مخلوع قال أبو عكرمة : فو اللّه الذي لا إله إلا هو ، لقد حضرت من المجالس ما لا أحصي ، فما رأيت مثل ذلك اليوم . ثم إن أبا عيسى أمر لكل واحد بجائزة وانصرفنا ، ولولا أن أبا عيسى قطعهم ما انقطعوا . من سمع صوتا فوافقه معناه فاستخفه الطرب حكي عن إسحاق بن إبراهيم الموصلي عن أبيه قال : دخلت على هارون الرشيد فلما رأيته قد أخذ في حديث الجواري وغلبتهنّ على الرجال ، غنيته بأبيات التي يقول فيها :
--> ( 1 ) المدنف : الذي اشتد مرضه وأشفى على الموت . ( 2 ) الكرى : النعاس .